مملكة بيت المقدس

مملكة بيت المقدس
Royaume de Jérusalem
Regnum Hierosolymitanum
مملكة بيت المقدس
→ Fatimid flag.svg
1099 – 1291 Mameluke Flag.svg ←
مملكة بيت المقدس
علم
مملكة بيت المقدس
شعار
حدود مملكة بيت المقدس وباقي الدول الصليبية في المشرق عام 1135.
حدود مملكة بيت المقدس وباقي الدول الصليبية في المشرق عام 1135.

عاصمة القدس (1099–1187)
صور (1187–1191)
عكا (1191–1229)
القدس (1229–1244)
عكا (1244–1291)
نظام الحكم ملكية
اللغة الرسمية لغة لاتينية،   والفرنسية القديمة،   والإيطالية،   واللغة العربية،   واليونانية  تعديل قيمة خاصية اللغة الرسمية (P37) في ويكي بيانات
اللغة اللاتينية، الفرنسية، العربية
الديانة الكاثوليكية
الملك
بالدوين الأول 1100–1118
بالدوين الثاني 1118–1131
ميليسندا وفولك 1131–1152
بالدوين الثالث 1152-1162
عموري الأول 1162–1174
بالدوين الرابع 1174–1185
التاريخ
التأسيس 1099
الزوال 1291

مملكة بيت المقدس أو مملكة القدس اللاتينية ( بالفرنسية: Royaume de Jérusalem؛ رويوم دو جيروساليم) ( باللاتينية: Regnum Hierosolymitanum؛ رينيومي هيروساليميتانم) هي مملكة كاثوليكية أنشأت في بلاد الشام في عام 1099 بعد الحملة الصليبية الأولى، وشكلّت أكبر ممالك الصليبيين في الشرق وقاعدة عملياتهم، واستمرت في الوجود زهاء قرنين من الزمن، حتى تمّ فتح جميع أراضيها في عثليث وعكا من قبل المماليك عام 1291.

مع بدايتها، كانت المملكة عبارة عن مجموعة من البلدات والقرى التي فتحت خلال الحملة الصليبية الأولى، ثم توسع حجمها وبلغت ذروة نموها في منتصف القرن الثاني عشر؛ حدود المملكة شملت ما يقرب في العصر الحديث جميع أراضي فلسطين التاريخية ( الضفة الغربية وقطاع غزة وإسرائيل)، إضافة إلى لبنان وأجزاء من الأردن وسوريا وسيناء، فضلاً عن محاولات لتوسيع المملكة نحو مصر التي كانت حينذاك تحت قيادة الخلافة الفاطمية؛ كانت المملكة في حالة تحالف مع الممالك الصليبية الأخرى في المشرق أي إمارة الرها وإمارة أنطاكية وإمارة طرابلس وذلك بحكم الأمر الواقع.

سُكنَت المملكة، وتأثرت عاداتها ومؤسساتها، بالوافدين من أوروبا الغربية، وكان هناك على الدوام اتصالات وثيقة، من الناحية العائلية والسياسية مع الغرب طوال عُمر المملكة؛ غير أنها وكمملكة صغيرة نسبيًا غالبًا ما افتقرت إلى الدعم المالي والعسكري المتواصل من أوروبا، وسعت المملكة في رأب ذلك لإقامة علاقات مع الممالك الشرقية المسيحية كالإمبراطورية البيزنطية وأرمينيا. وإلى جانب العادات والمؤسسات الغربيّة فقد تأثرت المملكة اجتماعيًا بالعادات والتقاليد الشرقية؛ سكان المملكة إلى جانب الوافدين الفرنجة كانوا بشكل أساسي من المسلمين والأرثوذكس الشرقيين واليهود، وعمومًا شكلت هذه العناصر طبقة سفلى مهمشة في الإدارة والحقوق العامة.

تحالفت المملكة خلال بدايتها مع سلاجقة الشام، ومع القرن الثاني عشر برز نور الدين زنكي ثم صلاح الدين الأيوبي وأنشأا مملكة مترامية الأطراف تشمل بلاد الشام ومصر والحجاز مطبقين بذلك على المملكة من جميع حدودها، ومن ثم فقدت المملكة عاصمتها القدس ومدنًا أخرى عام 1187 خلال الفتوح التي قادها صلاح الدين الأيوبي ضدها.

واستطاعت الحملة الصليبية الثالثة تحقيق القليل من الانتصارات من خلال استعادة الساحل الفلسطيني، لتصبح عكا بدلاً من القدس عاصمةً للمملكة. عانت المملكة من عدة مشاكل في وراثة العرش، وخلال تاريخها آل الحكم لأكثر من عائلة واحدة ولم تنحصر فقط في عائلة جودفري أول ملوكها، ولعلّ الخلاف الذي نشأ في أعقاب خسارة القدس هو أكبر السجالات حول طرق انتقال العرش. شهدت المملكة في طورها الثاني تعزيزًا للعلاقات مع سائر الممالك الصليبية في طرابلس وأنطاكية وكذلك أرمينيا والبندقية وجنوة، واطلعت المملكة بدور سياسي هام في المشرق خلال اقتتال ورثة صلاح الدين حول اقتسام أراضي وأملاك والدهم، فضلاً عن تحالف مع المغول أواخر أيامها؛ غير أنّ ذلك لم يمنع في نهاية المطاف سلاطين المماليك الظاهر بيبرس والأشرف خليل من استعادة جميع المعاقل الصليبية الباقية تحت سلطتها، وإزالة المملكة نهائيًا عام 1291.

التاريخ

الحملة الصليبية الأولى وتأسيس المملكة

في عام 1095 انعقد مجمع كليرمونت بناءً على دعوة البابا أوربان الثاني وذلك بهدف مساعدة الإمبراطورية البيزنطية في صد هجمات السلاجقة، الذين فتحوا قسطًا وافرًا من مدن الإمبراطورية في الأناضول، كذلك كان من بين الأهداف أسباب مختلفة دينية وسياسية واقتصاديّة أيضًا؛ [1] وقد أجمع المؤتمرون على أهمية "تحرير الأراضي المقدسة". انطلاق الحملة الصليبية الأولى تمّ عام 1098 واستطاعت هزيمة السلاجقة والسيطرة على الرها ثم أنطاكية وتابعت طريقها محاذية الساحل الشامي نحو الجنوب حتى وصلت القدس من الرملة في 7 يونيو 1099 وضربت حصارًا حول المدينة من جميع نواحيها؛ [2] ووصلت تعزيزات قادمة من جنوة للمحاصرين عبر يافا في 15 يونيو 1099؛ وبعد أكثر من شهر على الحصار تمكّن المحاصرون من اقتحام المدينة في 15 يوليو 1099، قبيل وصول جيش الخلافة الفاطمية من مصر بهدف تخفيف الضغط عن المدينة؛ وقد جرت عمليات قتل جماعي وسلب ونهب ذهب ضحيته سبعون ألفًا من سكان المدينة كما نقل مؤرخو العصور السالفة، [2] وقال البعض عشرين ألفًا، [3] ومن المؤرخين الذين ذكروا تلك الحوادث وليم الصوري، المؤرخ الصليبي، الذي قال أن مجزرة رهيبة وقعت لدى اقتحام الصليبيين للمدينة. [2]

في 17 يوليو عقد الأمراء وقادة الحملة اجتماعًا لانتخاب ملك القدس وتوزيع الأراضي القريبة المسيطر عليها كالرملة واللد وبيت لحم؛ وشهد الاجتماع خلافات عديدة حول شخصية الحاكم المفترض، ويمكن القول أن أبرز المرشحين كان جودفري بن بويون الفرنسي ودوق اللورين السفلى وقائد الجيش، وريمون الرابع صديق البابا أوربان الثاني وأحد أبرز قادة الحملة، وتانكرد ابن شقيق بوهيموند الذي غدا أمير طرابلس فيما بعد؛ الخلاف حُلّ في 22 يوليو بانتخاب جودفري الأول ملكًا، وقد أظهر تقى وورعًا، إذ لقب نفسه "حامي بيت المقدس" ورفض أن يرتدي تاجًا في بلد لبس فيه يسوع تاجًا من شوك، وفق الإنجيل. [4] وفي اليوم نفسه اختير أرنلوف مالكورن بطريركًا للقدس، ثم عُزل في فبراير 1100 بحجة عدم شرعية انتخابه وانتخب ديمبارت مبعوث البابا بطريركًا، [5] وأقيل كهنة كنيسة القيامة وعيّن بدلاً منهم كهنة كاثوليك.

لم يكتف الصليبيون بما حازوا عليه، فقاموا بتوسيع حدود المملكة، ومع أواخر يوليو 1099 فتحت نابلس، ثم وصل جيش الفاطميين في 12 أغسطس فالتقى وجيش المملكة الوليدة في عسقلان، [6] وأحرز الصليبيون نصرًا هامًا ضمن لهم السيطرة على عسقلان وغزة ثم يافا وحيفا وعكا وبيسان وطبرية؛ [7] والجدير بالذكر أن خلافًا قد وقع حول طبيعة عسقلان المستقبلية بين الملك جودفري وبين الكونت ريموند، فبينما أصرّ الملك على كون عسقلان تابعة للقدس لتشكل ميناءها الأول ومنفذها مع أوروبا أراد ريموند الاستقلال بها، حتى أنه سحب فرسانه ومقاتليه بعد إصرار الملك على إبقائها تابعة للقدس. [7]

دار خلاف آخر بين أمراء المملكة حول طبيعة الدولة بين كونها دولة دينية يحكمها أسقفها ديبامرت مبعوث البابا، أو دولة مدنية يحكمها جودفري، [8] واتفق أخيرًا على كونها دولة مدنية وذلك بمباركة ديبامبرت مبعوث البابا إلى المملكة، رغم أن طموحه هذا عاد للظهور بعد وفاة جودفري. عام 1100 توفي جودفري بنتيجة المرض، وخلفه شقيقه بالدوين الأول المتحدر من بولونيا وقد انتخب في 11 نوفمبر وتمّ التتويج في بيت لحم يوم 25 ديسمبر 1100 وهو يوم عيد الميلاد، [9] بعد تنافس مع تانكرد والأسقف ديامبرت حول وراثة العرش، [9] وقد تم إرضاء تانكرد بمنحه إمارة أنطاكية بعد أسر أميرها في حلب. أما بالدوين فكان أول من خلع عليه لقب "ملك المملكة اللاتينية في القدس"، ما شكل ترسيخًا لهوية الدولة الجديدة، وقد قسمت الدولة إلى أربع مطرانيات وأبرشيات عديدة تحت سلطة بطريرك القدس. [10]

طور التوسع

خلال عهد بالدوين الأول، توسعت المملكة من الناحية الجغرافية والديموغرافية على حد سواء، مع استقدام مزيد من المستوطنين اللاتينيين من أوروبا الغربية خصوصًا إثر حملة الأطفال الصليبية عام 1101 والتي جلبت معها تعزيزات للملكة؛ سيطر بالدوين الأول على غور الأردن عام 1115 وكان قد استطاع عام 1104 فتح عكا ثم بيروت عام 1110 وصيدا عام 1111 مع مساعدة من ملك النرويج سيجورد الأول بشكل خاص والمدن الدول الإيطالية بشكل عام. [11] ويمكن اعتبار عهد بالدوين الأول عهد التأسيس الفعلي للمملكة، فهي بحكم رمزيتها شكلت الرابط بين مختلف الدول الصليبية، التي كان آخر ما تأسس منها كونتية طرابلس عام 1109 بعد سقوط المدينة التي استعصت على الحملة الأولى قرابة عقد من الزمن. [12]

ملك القدس بلدوين الأول محاطًا بفرسانه: يعتبر بعض المؤرخين بلدوين الأول المؤسس الفعلي للمملكة.

في عام 1102 تم عزل ديمبارت عن بطريركية القدس بموافقة مبعوث البابا المخصص لتحقيق بسلوكه وشرعية انتخابه وبذلك تخلّص بالدوين من أشد منافسيه الداخليين، [13] وكان في عام 1101 قد وقّع معاهدة صلح مع سلاجقة دمشق ظلت سارية المفعول مع حكام دمشق حتى عام 1187 ضمنت أيضًا تنظيمًا للمناطق الحدودية وللعلاقات التجارية وانتقال السكّان، وبذلك انتهت حالة الحرب من ناحية الشمال. [14]

أسس بالدوين نظامًا إقطاعيًا قويًا وحكمًا ملكيًا وراثيًا محصورًا في سلالته، وذلك يعود "لذكائه واجتهاده" كما يقول المؤرخ توماس مادن [معلومة 1] الذي اعتبره "المؤسس الحقيقي للملكة بيت المقدس"؛ [15] ومن ناحية المعارك مع المسلمين سواءً السلاجقة أم الفاطميين فقد حقق بالدوين سلسلة انتصارات تمت في الجزء الجنوبي الغربي من فلسطين، كما هزم سلاجقة دمشق والموصل في معركة قرب طبرية عام 1113. [16] العمل البارز الآخر لبالدوين كان جمع بارونات المملكة ونبلائها في مجلس موحد، والحث على توافقهم في توزيع القرى والبلدات، وبناء سلسلة من الحصون التي قوّت مناعة الحدود في وجه جيرانها، غير أن نقاط الضعف الأساسية تمثلت ببعد مراكز التجمعات السكانية عن بعضها البعض، ما يسهّل انقسام المملكة وانعزالها في حال الحرب، كما أن بعدها عن أوروبا أو الإمبراطورية البيزنطية ووجود حدود مترامية الطول مع الدول الإسلامية في بلاد الشام ومصر، كان أبرز العوامل التي سرّعت سقوط عاصمتها القدس عام 1187، بل إن اختيار القدس كعاصمة للملكة جاء لأسباب دينية فقط، إذ كما يقول يوشع بروار [معلومة 2] كان من الأنسب اتخاذ رام الله أو طرابلس أو بيروت عاصمة لكونها أكبر حجمًا وثروة، [17] عمومًا فإن الخلفية الكتابية لعبت دورًا حاسمًا، فخلال تتويج بالدوين الأول مُسح بالزيت المبارك استذكارًا للملك داوود. [18]

في عام 1115 أصدر الملك مرسومًا ينظّم سكنى المدينة فحظر على المسلمين واليهود الإقامة داخل الأسوار، وسُمح للأرثوذكس الإقامة في الحي الشمالي الشرقي، حيث كان يقيم اليهود سابقًا؛ [19] واتخذ بالدوين الأول زوجة أرمنية اسمها تقليديًا آردا لكسب الدعم السياسي من الأرمن في الرها، الزيجة السياسيّة كانت فاشلة لكون إمارة الرها بعيدة عن مملكة القدس، وبعدها تزوّج أديلاد من فاستو، الوصيّة على صقلية عام 1113، ويمكن القول أنه زواج سياسي أيضًا نظرًا لحاجة المملكة المتواصلة للدعم من جزيرة صقلية البحريّة والغنية، غير أن هذا الزواج انتهى بالطلاق عام 1117. [20]

مات بالدوين الأول دون ورثة عام 1118 خلال حملة ضد مصر، وعُرض عرش المملكة لشقيقه يوستاتس الثالث من بولونيا، الذي كان قد رافق بالدوين وجودفري في الحملة الصليبية الأولى، لكنّ يوستاس لم يبد اهتمامًا بالجلوس على عرش المملكة، وأحيل التاج إلى بالدوين الثاني ابن عمّ الملك السابق، الذي شغل منصب كونت الرها. كان بالدوين الثاني ملكًا قويًا، صدّ بنجاح غزوات الفاطميين والسلاجقة، وخلال عهده نشأت طلائع المنظمات العسكرية الصليبية في المشرق ولعلّ أبرزها فرسان الهيكل والإسبتارية، [21] وقد تم إقرار مجموعة من القوانين الناظمة لصلاحية الملك ومجلس البارونات وطريقة وراثة العرش في مؤتمر نابلس الذي انعقد عام 1120، وتمت التصديق خلال عهده على أول معاهدة تجارية مع البندقية عام 1124 وهو ما أدّى إلى فتح صور في العام نفسه؛ وبالإضافة إلى كونه ملكًا على القدس كان لبالدوين الثاني نفوذًا في الرها وأنطاكية حيث قام بدور الوصي على الإمارتين مع شغور عرشيهما. [22]

في عام 1131 توفي بالدوين الثاني وله أربع بنات: أليس وهوديرنا وآيفوتا التي اعتنقت الحياة الديرية والبكر ميليسندا، التي كانت وليّة عهده وخلفته في الحكم مع زوجها فولك. [23] [24]

طور الاستقرار: الحملة الصليبية الثانية

أسقف يبارك زواج فولك وميليسندا ملك وملكة القدس ( 1131 - 1143).

كان فولك من مخضرمي الفرسان ذوي الخبرة، وصل إلى المملكة مع مجموعة الحجاج إلى القدس عام 1120، وينحدر في نسبه من الأسرة المالكة في إنكلترا؛ رتب له الزواج من الكونتيسة ماتليدا ليشارك في حكم القدس مستقبلاً، الأمر الذي أثار الاعتراض في أنطاكية وطرابلس والرها، وهو ما أدى عام 1132 إلى ما يشبه الحرب الأهلية المصغرة انتهت بانتصار فولك في معركة طرابلس، ما ضمن تثبيت حكمه. [25] في عام 1134 ثار هيو الثاني بارون يافا ضد حكم فولك متحالفًا مع عسقلان التي عادت إلى حكم الفاطميين ومكثت في يدهم حتى عام 1153، وقد جرت محاكمة لهيو الثاني بتهمة الخيانة، ومن ثم توسط بطريرك القدس لتسوية الصراع، لكن هيو اغتيل بعد فترة وجيزة وقيل أن أوساط القصر قامت بتنفيذ عملية الاغتيال؛ سمح الجدل الذي أثير حول اغتيال هيو الثاني، للملكة ميليسندا وأنصارها داخل القصر وفي مجلس البارونات بلعب دور أوسع في إدارة المملكة وسياستها تمامًا كما كان والدها ينوي، على عكس ما كان الوضع في بداية عهدهما المشترك، حيث تفرّد فولك بالإدارة، [26] ونقل المؤرخون من أمثال وليم الصوري أن فولك قد أعجب بآراء زوجته وطرق إدارتها للأمور، ولم يتخذ مذاك أي تدابير من دون معرفتها ومساعدتها. [27]

مثل الأتابكة الزنكيون في الموصل أكبر التحديات التي واجهت فولك وأكثرها خطورة، إذ توسعوا غربًا نحو حلب، وطمحوا تحت قيادة عماد الدين زنكي للسيطرة على دمشق، ما كان يشكل خطرًا كبيرًا على حياة مملكة القدس ونفوذها. وفي عام 1139 أبرمت دمشق والقدس اتفاقًا يقضي بتعاونهما المشترك في صد أي عدوان قد ينجم من توسع الزنكيين، وسعى فولك خلال تلك الفترة لبناء قلاع عديدة في المملكة، منه قلاع بنيت في الكرك والرملة. [28] توفي فولك خلال رحلة صيد عام 1143، وعيّنت ميليسندا ابنها بالدوين الثالث ملكًا تحت وصايتها، كما عينت منسى الهيراجي قائدًا للجيش؛ أما الصدمة التي هزّت المملكة سوى وفاة الملك وتحوّل العرش إلى ملك قاصر تمثلت بفتح عماد الدين زنكي للرها وسقوط إمارتها الصليبية عام 1144، وقد فشلت محاولات استعادة الرها رغم اغتيال عماد الدين عام 1146، ولم تبذل مملكة القدس جهودًا ضخمة لاستعادة الرها بسبب البعد الجغرافي. أما في أوروبا فقد كان سقوط الرها سببًا لحشد الحملة الصليبية الثانية. [29]

ورث نور الدين إمارة حلب عن أبيه عماد الدين، وفي العام نفسه تمرّد حاكم حوران على حاكم دمشق معين الدين أنر، واستنجد الحاكم المتمرد توتنتاش بمملكة بيت المقدس، فتحركت جيوشها نحو حوران؛ ردًا على ذلك تحالف معين الدين مع نور الدين وزوَّجه ابنته عصمة الدين خاتون رغم المنافسة المستفحلة بينهما، وبنتيجة التحالف فشل جيش توتنتاش وكذلك جيش مملكة بيت المقدس في الحفاظ على استقلال حوران التي أخضعت مجددًا لحكم دمشق، [30] أما نور الدين فأُقِطع حماة مكافأة له على دعمه معين الدين. بعد عامين وصلت جيوش الحملة الصليبية الثانية إلى فلسطين واجتمعت مع جيش المملكة في عكا خلال شهر يونيو 1148 وكان قوامها سبعون ألف فارس عدا الفلاحين والفقراء الذين التحقوا بالحملة؛ [31] وتوافق قادة الحملة لويس السابع ملك فرنسا، وكونراد الثالث ملك ألمانيا مع ملكة القدس ميليسندا ومجلس البارونات على مهاجمة دمشق بدلاً من الرها، وربما يعود السبب في ذلك لكون أي تهديد حقيقي للقدس سيأتي من دمشق لا من الرها أو حلب، لذلك فمن الأجدى ضمّها إلى الأملاك الصليبية وتأسيس واجهة أمامية لحماية القدس.

حاصرت جيوش الحملة دمشق بدءًا من 19 يوليو 1148، وعندما أخذ الحصار يؤتي مفعوله وبدا أن المدينة على وشك الانهيار، عرض معين الدين على قادة الحملة تسليم مملكة بيت المقدس بانياس الشام لقاء فكّ الحملة، ومال عدد من القادة إلى قبول العرض حفاظًا على علاقات التحالف مع معين الدين الذي كان قد طلب مساعدة الزنكيين ثم عاد وتخوّف من سيطرتهم على المدينة وهدد بتسليمه دمشق للصليبيين في حال تابع جيشهم تقدمه، وكان آنذاك على مشارف حمص فتوقف الزنكيون عن المسير. [32] إثر الانقسامات اضطر الصليبيون لتغيير خطة الحصار وانتقلوا إلى جزء آخر من السور، ثم اضطروا إلى التراجع عن الأسوار خلال ثلاثة أيام، اتهم بعض القادة بالخيانة والرشوة ووجه الملك كونراد تهمًا مشابهة للملك ومجلس البارونات؛ وأيًا كان سبب فشل الحصار فإن الجيوش الصليبية عادت إلى القدس في إثره، ما شكّل فشلاً للحملة برمتها، ومن ثم غادرت الجيوش الفرنسية والألمانية المشرق، أما دمشق، ففتحها نور الدين زنكي موحدًا بذلك سوريا تحت قيادته بعد سنوات قليلة من فشل الحملة الثانية. وقد اتجه اهتمام سياسيي بيت المقدس إذاك نحو مصر الضعيفة تحت قيادة الدولة الفاطمية بدلاً من بلاد الشام التي باتت موحدة وقويّة. [28]

الحرب الأهلية

الإمبراطور البيزنطي عمانوئيل الأول الذي لعب أقام تحالفًا مع المملكة ولعب دورًا بارزًا في سياسة الشرق منتصف القرن الثاني عشر.

كان لفشل الحملة الصليبية الثانية عواقب وخيمة على مملكة القدس ولأمد طويل، كما ترددت أوروبا في إرسال جيوش وبعثات واسعة النطاق إلى المملكة واقتصر الأمر على جيوش صغيرة من المقاتلين لحماية مواكب الحج، أمام ذلك كانت سوريا الموحدة بقيادة نور الدين زنكي تحقق انتصارات متلاحقة منها الانتصار على إمارة أنطاكية في معركة عنّأب عام 1149 وضم دمشق عام 1154، مع ترسيخ للقيم الروحية الإسلامية وأبرزها الجهاد في سبيل توحيد الدول الإسلامية المتنازعة. [33]

في القدس وقع الصراع بين الملكة وابنها بالدوين الثالث، حيث تمسكت الملكة بكونها الوصية على عرش ابنها طالما كان قاصرًا وأيدها في ذلك قائد الجيش منسى الهيراجي، وكذلك آل إيبلين وآلمريك ابنها المقيم في يافا، أما بالدوين فتمسك باستقلاله مدعومًا من طرابلس وأنطاكية، وتقوّى موقفه بعد زواج أمّه من الكونت هيلفس صاحب الرملة. [34] في عام 1153 توّج بالدوين نفسه كحاكم وحيد على المملكة، وتم التوصل إلى تسوية يحكم بموجبها بالدوين عكا وصور والأراضي التي تقع شمال المملكة، وتحتفظ ميسيليندا بالجنوب بما فيه القدس؛ ثم عزل بالدوين منسى الهيراجي وعيّن بدلاً عنه همفري الثاني، ما شكل إعادة للصراع بعد أن مال الوضع نحو الهدوء. وبتلاحق الأحداث قاد بالدوين جيشًا غزى الأراضي التابعة لحكم والدته، ثم حاصر مقر إقامتها في برج داود داخل القدس، ما اضطر الملكة إلى الاستسلام، ودُعي إلى اجتماع لرجال المملكة في نابلس أفضى إلى تتويج بالدوين الثالث ملكًا وحيدًا للمملكة مع بقاء والدته كمستشارته ووصية عرشه في حال وفاته، كما أنها احتفظت بنفوذ داخل القصر، لا سيّما فيما يخص الشأن الكنسي. [35]

التحالف مع البيزنطيين والحملة على مصر

مع فتح عسقلان عام 1153 غدت حدود المملكة الجنوبية آمنة، [36] ولم يعد هناك ما يثير الخوف من مصر التي كانت تحت حكم سلسلة من الخلفاء الضعفاء وفعليًا تحت حكم الوزراء المتنازعين على السلطة. حاول بالدوين الثالث أن يتعامل مع الإمبراطور مانويل الأول كومينا بشكل إيجابي وسعى لإقامة تحالف معه لمواجهة القوة المتزايدة للزنكيين في بلاد الشام، [37] وكانت بداية هذا التحالف عن طريق الزواج بابنة الإمبراطور ثيودورا كومينا، كما تزوج الإمبراطور مانويل من ابنة عم بالدوين الثالث ماريا، [38] ويقول وليم الصوري أن الهدف من هذا التحالف "تغيير فقرنا إلى وفرة". [39] شهدت العلاقة بين نور الدين ومملكة بيت المقدس، تفاوتًا كبيرًا في ظل التنافس على تمدد الرقعة الجغرافية لكلاهما، إلى جانب الحروب، أبرمت عدة هدن غالبًا ما كانت قصيرة بين الطرفين، أولها كان عام 1155 ولمدة عام وفي العام التالي، تجددت الهدنة فتم إرسال قطيعة للصليبيين قدرها ثمانية آلاف من الدنانير الصورية، وانتهت المعاهدة بخرقها من قبل بالدوين الثالث عند مهاجمته مراعي بانياس، كذلك فقد عقدت معاهدة بين الطرفين لمدة عامين في 1160، وعلى أثر الزلازل التي اجتاحت بلاد الشام عام 1170 اتجه نور الدين إلى عقد هدنة مع الملك آمالريك ويضاف إلى ذلك أنه تم عقد هدنة قصيرة مدتها ثلاثة أشهر عام 1173. [40]

توفي بالدوين الثالث عام 1162، وآل الحكم إلى أمالريك الأول شقيقه الذي سار على سياسته في طلب التحالف مع القسطنطينية؛ [41] [42] وساهمت حالة الفوضى في مصر التي اندلعت عام 1163 ثم رفض القاهرة دفع الجزية السنوية المقررة إلى القدس، واستدعاء وزرائها لجند نور الدين للمساعدة في معاركهم الداخلية، في غزو أمالريك لمصر، غير أن الجيش حقق تقدمًا حتى بلبيس ثم توقف بعدها بسبب فيضان نهر النيل، ولم يستطع مواصلة التقدم. [43]

أسطول بيزنطة وأسطول المملكة يحاصر دمياط.

طلب وزير الخليفة العاضد شاور مساعدة نور الدين بعد أن خُلع شاور من وزارة مصر، [44] فاستجاب نور الدين له مرسلاً جيشًا بقيادة أسد الدين شيركوه. بعد تحقيق شاور لأهدافه بالعودة إلى الوزارة، عاد وانقلب على الجيش الشامي متحالفًا مع الصليبيين خوفًا من أن يقوم أسد الدين بخلعه وتسليم مقاليد الحكم في مصر لنور الدين. وقد جرت مفاوضات بين دمشق والقدس تمّ الاتفاق بموجبها على انسحاب كلا الجيشين من مصر مع استحالة الحسم، خصوصًا إثر انتصار نور الدين على جيشي إمارة أنطاكية وطرابلس في معركة حارم، [45] ووقوع بوهيموند الثالث أمير طرابلس في الأسر، حتى خيف على أنطاكية من جيوش نور الدين، فأرسل الإمبراطور مانويل جيشًا بيزنطيًا كبيرًا إلى المنطقة اضطرت جيوش نور الدين للانسحاب على إثره، كما دفع الإمبراطور فدية لإطلاق سراح بوهيموند الثالث من الأسر. أثرت معركة حارم على مملكة بيت المقدس أيضًا، ففي 28 أكتوبر 1164 ضرب نور الدين ومعه أخاه نصير الدين الحصار حول بانياس الشام التي ملكها الإفرنج منذ 1149، واضطروا إثر الحصار إلى التنازل عنها، كما كان من نتائج الحملة ضرب الجزية على طبريا. [46]

خط الحملة الشاميّة - الصليبيّة الثالثة على مصر.

تطورات الوضع في أنطاكية وبانياس الشام لم تثن عزم الزنكيين والصليبيين في صراعهم على مصر، فأرسل نور الدين جيشه مرة ثانية عام 1166 لأسباب طائفية، [47] فتحالف شاور إثر ذاك مع مملكة بيت المقدس على الدولة الزنكية.

تحصن الجيش الزنكي في الإسكندرية وضرب المصريون والصليبيون الحصار حولها، واضطر أسد الدين مع استحالة الحسم للانسحاب من مصر، وكذلك فعل الجيش الصليبي مع بقاء حامية صليبية في القاهرة. [43] في عام 1167 تزوج آمالريك من ماريا كومنا ابنة الإمبراطور مانويل، وأرسلت سفارة برئاسة وليم الصوري من صور إلى القسطنطينية للتفاوض حول حملة عسكرية مشتركة على مصر؛ في عام 1168 مع شيوع نبأ تحالف شاور مع الزنكيين مجددًا وخرقه المعاهدة مع مملكة بيت المقدس، وقبل التوصل لاتفاق مع البيزنطيين، دخل جيش المملكة إلى بلبيس وقام بنهبها، ثم اتجه بعدها نحو الفسطاط فأمر شاور بإحراقها كي لا يجد الصليبيون ما يسيطرون عليه. [48] حريق الفسطاط دفع الخليفة العاضد لطلب النجدة الزنكية فدخل جيش نور الدين بقيادة أسد الدين شيركوه مصر للمرة الثالثة. في هذه المرة قتل شاور بعد فترة وجيزة بناءً على طلب العاضد وأحيل أمر وزارة مصر إلى شيركوه إلا أنه توفي بعد فترة وجيزة أيضًا، فخلع العاضد مهام الوزارة على ابن أخي شيركوه يوسف والمعروف باسم صلاح الدين الأيوبي. [49] مع تسارع أحداث مصر، أرسل الإمبراطور مانويل متحالفًا مع جيش مملكة بيت المقدس أسطولاً كبيرًا من حوالي 300 سفينة، وحوصرت دمياط، ويضع المؤرخون التنازع بين الصليبيين والبيزنطيين كعامل أساسي في إخفاق حملتهما، وانسحب الأسطول البيزنطي بعد ثلاث أشهر مع قرب نفاذ مؤنه. [50]

النتيجة الأكبر لفشل الهجوم، كانت ذيوع صيت صلاح الدين في مصر وترسيخ أقدامه فيها وزوال الخلافة الفاطمية وعودة مصر إلى الخلافة العباسية، [51] وفي عام 1174 توفي الملك أمالريك وكذلك نور الدين زنكي، وفرض صلاح الدين نفسه كسلطان على مصر ثم سيطر على أملاك نور الدين في سوريا، ومع وفاة الإمبراطور مانويل عام 1180 خسرت مملكة بيت المقدس حليفها الأكبر في المشرق. [52]

عهد بالدوين الرابع، وأزمة الحكم

بالدوين الرابع يلعب مع الأطفال (يسار)، ووليم الصوري يكتشف إصابته بالجذام (يمين)، وهي مخطوطة ترقى للقرن الثالث عشر ومن محفوظات المكتبة البريطانية.

بعد وفاة أمالريك، آل الحكم إلى ابنه القاصر بالدوين الرابع الذي كان مصابًا بالجذام؛ وتحولت معه سياسة المملكة الداخلية والخارجية على حد سواء إلى صراع بين حزبين الأول ترعاه آغنس دي كورتنيه والدة الملك مع عائلتها التي استوطنت المملكة حديثًا وكانوا من أنصار الحرب مع صلاح الدين، و"حزب النبلاء" بقيادة ريموند أمير طرابلس ومعه عدد من بارونات المملكة، والذين كانوا يفضلون التعايش مع المسلمين ومهادنة صلاح الدين، هذا التفسير منسوب لرأي مؤرخ القرن الثاني عشر وليم الصوري، وأخذ من قبل أغلب المؤرخين اللاحقين، كستيفين رنيسمان وجورج مارشال وهانز ماير وغيرهم، [53] [54] إلى جانب اعتبار أسرة إيبلين من المحايدين، المؤرخ بيتر إدبري اعتبر أنّ الانقسام لم يكن بين البارونات بشكل أساسي بل داخل العائلة المالكة بذات نفسها، من ناحية أب الملك وأمه. [55]

كان بلانسي بيالي عم الملك هو الوصي على عرشه، لكنه اغتيل بعد فترة وجيزة في أكتوبر 1174، وأصبح الكونت ريموند الثالث أمير طرابلس وابن عم أمالريك الأول الوصي، ومن المحتمل أن يكون ريموند وأنصاره مهندسي عملية الاغتيال، [56] استمرّ ريموند الثالث في تسيير شؤون العرش حتى عام 1176 حين بلغ بلدوين الرابع سن الرشد، ورغم وجود آراء حول حاجته للوصي بسبب مرضه، إلا أن الرأي الذي غلب كان أن يحكم بنفسه دون وصي؛ هناك آراء أخرى ظهرت بوجوب خلع الملك لعدم أهليته، [57] وبالتالي انتقال العرش إلى ريموند الثالث أقرب أنسبائه من ناحية الذكور، وبهدف الحد من طموح ريموند الثالث سعت آغنس دي كورتنيه إلى إطلاق سراح أخيها خال الملك جوسلين الثالث حاكم الرها سابقًا عام 1176 بعد فترة طويلة قضاها أسيرًا في حلب، وبإطلاق سراحه بات جوسلين يتقاسم منزلة أقرب أنسباء الملك، مع ريموند. [58]

الصراع على خلافة الملك كان مستفحلاً في المملكة، إذ لم يكن لبلدوين الرابع أطفال، ومع كونه مصابًا بمرض جذام لم يكن متوقعًا أن يمكث في الحكم لفترة طويلة، أخيرًا تم التوصل لاتفاق يقضي بانتقال العرش من بعده لشقيقته من ناحية أبيه سبيلا المتزوجة من ويليام مونفيراتو ابن عم لويس السابع وفريدريك بربروسا، [59] بحيث تؤمن المملكة دعم فرنسا وألمانيا في آن؛ غير أن مونفيراتو توفي في يونيو 1176 تاركًا زوجته حاملاً، وقد أنجبت سبيلا بلدوين الخامس عام 1177 وقد غدا بلدوين الخامس وليًا للعهد وفق ترتيب وراثة العرش في المملكة. [60]

سعى بلدوين الرابع لزواج ثانٍ لشقيقته من أحد البارونات المقربين منه، غير أن أمه آغنس وقفت ضد الأسماء التي اقترحها؛ [61] ترافق ذلك مع عودة الحروب مع صلاح الدين الأيوبي إثر خرق كونتية طرابلس للهدنة المبرمة بهجوم شنته على حماة؛ مع عودة الحرب بين الطرفين أثبت بلدوين الرابع أنه يصلح كقائد عسكري رغم مرضه إذ استطاع الانتصار على صلاح الدين في سبتمبر 1177؛ ثم قرر الملك حينها تزويج أخته من هيو الثالث القادم من فرنسا، غير أن الاضطرابات التي شهدتها فرنسا بين عامي 1179 و1180 حالت دون مجيء هيو الثالث في أعقاب وفاة لويس السابع، مقابل ذلك كان آل إيبلين ومعهم الحزب المعارض لسياسة آغنس دي كورتنيه يسعيان لعقد زواج سبيلا من باليان الإيبليني، لكن آغنس سارعت لعقد زواج ابنتها من غي دو لوزنيان القادم حديثًا من فرنسا وبذلك أزيح ثقل آل إيبلين وكذلك نفوذ بوهيموند الثالث، صاحب طرابلس. [62]

الخلاف بين الحزبين تجدد عام 1180 مع الرغبة في انتخاب بطريرك جديد للقدس عام 1180، أبرز المرشحين كان وليم الصوري رئيس أساقفة صور والمقرّب من حزب ريموند الثالث وآل إيبلين، وهرقل المقرّب من آغنس دي كورتنيه والدة الملك، وكانت النتيجة اختيار الملك لهرقل، بتأثير والدته. [63]

في نهاية 1181 شنّ رينو دي شاتيون غارة على أراض وإقطاعات تابعة لحكم صلاح الدين خارقًا بذلك الهدنة التي أعيد إبرامها، [64] وسعى رينو فوق ذلك لاحتلال المدينة المنورة. تجدر الإشارة إلى أن رينو دي شاتيون والذي عرف لدى مؤرخي العرب باسم أرناط، كان قضى سنينًا طويلة في حلب أسيرًا، وعندما أطلق سراحه تزوّج من صاحبة الكرك ما أمّن له مقعدًا في مجلس البارونات، واشتهر بكونه على رأس المتحمسين لقتال صلاح الدين. ردًا على غارة أرناط، هاجم صلاح الدين المملكة عام 1182، واستطاع الملك بلدوين التغلب عليه، ثم حاول فتح بيروت لكنه فشل، وأخيرًا دمّر حصن مخاضة الأحزان الذي بني بأوامر بالدوين الرابع بحجة كونه في منطقة حدودية، وعمومًا فإن الحروب بين الطرفين خلال تلك الفترة لم تكن أكثر من مناوشات، ولم تكن معارك طاحنة وحاسمة. [65]

في ديسمبر 1182، شن رينو دي شاتيون حملة إغارة على البحر الأحمر ووصل جنوبًا إلى رابغ، وتكررت خلال تلك الفترة غارات رينو دي شاتيون التي كانت بهدف السبي والنهب ونظر إليها المؤرخون على أنها "مميتة للملكة بيت المقدس". [66] في عام 1183 فرض الملك بلدوين الرابع ضريبة عامة على المملكة اعتبرت الأثقل في تاريخ المملكة وأوروبا في العصور الوسطى، وذلك بهدف تمويل الجيوش في السنوات المقبلة مع الحاجة إلى مزيد من القوات، خصوصًا بعد سيطرة صلاح الدين على حلب، وبالتالي فإن جهود السلطان المقبلة ستتركز على القدس. [67] ومع تفاقم مرض الملك، اختير غي دو لوزنيان رسميًا كولي للعهد يحكم بالمشاركة مع سبيلا شقيقة الملك. [68]

في أكتوبر 1183 تحسنت صحة الملك بحيث تمكن من استئناف حكمه، وأخذ يميل في سياسته للتقارب مع حزب آل إيبلين وريموند الثالث، وتحقيقًا لذلك عزل غي دو لوزنيان من ولاية العهد وعهد بها لابن شقيقته بلدوين الخامس، وعيّن ريموند الثالث وصيًا على العرش، ترافق ذلك مع تجمّع بارونات المملكة في الكرك للاحتفال بزواج إيزابيلا ابنة الملك السابق من ماريا كومنا، وخلال الاحتفال حاصر المدينة السلطان، فسار الملك بلدوين الرابع إلى الكرك وفك الحصار عنها بعد إعادة الهدنة مع صلاح الدين. في عام 1184، [69] حاول صلاح الدين فتح الكرك مجددًا غير أنه فشل في ذلك، كذلك فقد استطاعت المملكة صد هجوم آخر قام به على نابلس. [70] [71] في أكتوبر 1184 شن غي دو لوزنيان الذي كان قد أبعد عن القدس نحو عسقلان، هجومًا على قوافل للبدو الرحّل، وفي مايو 1185 توفي الملك بلدوين الرابع وآل الحكم إلى بلدوين الخامس ابن شقيقته القاصر. [72] لم يكن انتقال العرش بالأمر السهل، بل أثار بلبلة في أوساط المملكة، ما استدعى سفر البطريرك هرقل إلى أوروبا طالبًا المساعدة في حسم الموضوع عام 1184؛ حاول هرقل أيضًا حشد حملة صليبية جديدة لتقوية موقف المملكة، لكنه لم يلق تجاوبًا لا في فرنسا ولا في إنكلترا. وعمومًا فإن البلبلة التي ثارت مع حكم بلدوين الخامس تحت وصاية ريموند الثالث انتهت مع وفاة الطفل الملك بالدوين الخامس في صيف عام 1186 بسبب المرض. [73]

غادر ريموند إلى نابلس لمنع سبيلا من المطالبة بالعرش، لكن سبيلا وأنصارها انسحبت إلى القدس حيث صادق مجلس البارونات على انتقال العرش لها، شرط إلغاء زواجها من غي، وافقت سبيلا غير أنه وبعد حفل تتويجها أعلنت أنها تختار غي دو لوزنيان زوجًا، ما شكّل هزيمة أخيرة لحزب ريموند الثالث وأنصاره، وخرقًا للتوافق الذي حصل في القدس. كان ريموند الثالث قد رفض حضور حفل التتويج، وغادر إلى طرابلس قاطعًا بذلك الطريق أمام حرب أهلية ثانية في المملكة، غير أنّ بعض أنصاره من أمثال الكونت همفري توجه إلى القدس وأقسم بالولاء لغي وسبيلا. [74] [75]

خسارة القدس والحملة الصليبية الثالثة

قلعة الربض في عجلون، الأردن. بناها المسلمون عام 1184 لصد هجمات الصليبيين.

تحالف ريموند صاحب طرابلس مع صلاح الدين الأيوبي، وأراد من خلال تحالفه مساعدة السلطان في إسقاط غي، [76] ويشير المؤرخون إلى أن الوضع في مختلف أنحاء الدولة العباسية كان هادئًا، وبالتالي فإن السلطان لم يكن ينوي تجديد الهدنة المنعقدة ومملكة بيت المقدس عندما يحين أجلها عام 1187، وعمومًا فإن هذا الرأي يظل تخمينًا نظرًا لأن من أسقط الهدنة فعليًا هو رينو دو شاتيون صاحب الكرك والشوبك وجميع ما وراء الأردن، وأحد أهمّ داعمي غي في مجلس البارونات، حين هاجمت قواته قوافل مسلمة. ربما أراد رينو دي شاتيون أن يشن حربًا على طرابلس للقضاء على ريموند الثالث، ولكنّ ثقل هذا الأخير في مجلس البارونات وأهمية بقاء المجلس موحدًا ربما دفعه لتأخير خطته والاستعاضة عنها بمناوشة صلاح الدين.

هاجم السلطان الكرك مرة أخرى، وحاصرها في أبريل ومايو 1187؛ في غضون ذلك كان ملك القدس غي يحاول إبرام الصلح مع ريموند الثالث واستطاع إقناعه بوجوب التوحّد ضد صلاح الدين، على أن تكون طبريا موقع الاشتباك معه، عمومًا فإن الخلافات داخل المعسكر الفرنجي ظلّت موجودة إذ لم يتمكن الطرفان من وضع خطة موحدة للهجوم؛ كان ريموند الثالث يرى أنه من الواجب تجنب معركة ضارية ومباشرة مع الجيش الأيوبي في حين خالفه الملك ذلك، أخيرًا تم الاتفاق على أن تسير الجيوش مباشرة للقاء صلاح الدين في طبريا إثر محاصرة السلطان لها. في 4 يوليو 1187 التقى الطرفان في معركة حطين التي أفضت لانتصار ساحق لجيش صلاح الدين وهزيمة جيش مملكة القدس ووقوع ملكها غي دو لوزنيان أسيرًا نُقل بعدها إلى دمشق ثم أطلق سراحه، وكان من نتائج المعركة أيضًا إعدام رينو دي شاتيون الذي توعد صلاح الدين بقتله في حال الظفر به، [77] إضافة إلى مقتل عدد كبير من جنود المملكة وفرسانها ووقوع عدد آخر منهم في الأسر، أما ريموند الثالث فكان قد انسحب قبيل الهزيمة من معركة حطين عائدًا إلى معقله طرابلس، ولم يتدخل عسكريًا في الأحداث التالية. [76]

غي دي لوزينيان في معسكر صلاح الدين، بعد معركة حطين، بريشة سعيد تحسين، القرن العشرين.

ارتأى صلاح الدين أهمية خاصّة لفتح مدن الساحل قبل التوجه نحو القدس، وخلال الأشهر القليلة التالية لمعركة حطين، تمكن صلاح الدين من فتح أغلب مدن وأمصار مملكة بيت المقدس باستثناء صور التي ظلّت عصيّة، ففتح السلطان عكا ذات الأهمية الخاصة لكونها الميناء الصليبي الأول مع أوروبا ثم نابلس وحيفا والناصرة وقيسارية وصفورية بعد أن أخلاها معظم فرسانها ومقاتليها إما لوقوعهم في الأسر أو مقتلهم خلال معركة حطين وما تلاها أو لانسحابهم خوفًا من الجيش الأيوبي، كذلك فقد فتح الأيوبيون بيروت وجبيل وتبنين، وخلصوها من تبعية مملكة بيت المقدس. [77] [78]

كان ذروة ما حصل عليه صلاح الدين فتح القدس عاصمة المملكة، وصلها وضرب الحصار حولها في 20 سبتمبر 1187 من جهة عين سلوان ليكون الماء قريبًا من جيشه. لم يكن في المدينة جيشًا كبيرًا لحمايتها وقدر عدد الجند النظاميين بحوالي 1400 جندي فقط، أما الباقون فكانوا من الفقراء والأهالي الذين لا خبرة لهم في القتال، وقد ترأس الدفاع عن المدينة باليان الأبليني وصاحب الرملة منذ أن غادرها الملك غي بحكم الأمر الواقع. [78] [79] كان خوف باليان الأكبر أن يقتل المسلمين جميع مسيحيي القدس عند دخولهم كما فعل الصليبيون عندما فتحوا المدينة عام 1099 فحث السكان أن يدافعوا عن حياتهم ومقدساتهم حتى الرمق الأخير، وعندما أرسل له صلاح الدين أن يسلم المدينة ويطلب الأمان لم يفعل، وأصرّ على القتال واستمر في الحرب لمدة 14 يومًا. [80]

ولما رأى صلاح الدين أن الحرب ستكون شديدة ولم يقدر على احتلال مدينة القدس، وبعد أن هدد باليان بقتل الرهائن المسلمين، والذين يُقدّر عددهم بأربعة الآف مسلم، وتدمير الأماكن الإسلامية المقدسة، أي قبة الصخرة والمسجد القبلي، استشار صلاح الدين الأيوبي مجلسه وقبل شروط باليان بتسليم المدينة مقابل أمان نفوسها وممتلكاتهم، على أن يتم دفع فدية على كل من فيها مقدارها عشرة دنانير عن كل رجل وخمسة دنانير عن كل امرأة ودينارين عن كل صبي وكل صبية لم يبلغا سن الرشد، فمن أدى ما عليه في المهلة التي قدرها أربعين يومًا، صار حرًا. [78] ثم سمح صلاح الدين بعد أن انقضت المهلة لمن لم يستطع الدفع منهم بالمغادرة دون فدية، [81] [82] ولكن تم بيع معظم المقاتلة منهم عبيدًا. [83]

كان دخول صلاح الدين للمدينة في 2 أكتوبر 1187، وشكّل ذلك صدمة لأوروبا حشدت على إثرها الحملة الصليبية الثالثة بناءً على طلب البابا غريغوري الثامن وتحت قيادة ريتشارد قلب الأسد ملك إنكلترا وفيليب أغسطس ملك فرنسا، وقد تم تمويل الحملة من ضريبة خاصة عرفت باسم عشور صلاح الدين.

في عام 1189 وصلت الحملة إلى المشرق، وحاصرت جيوشها عكا، واستمر الحصار حتى نجاح الحملة في دخول المدينة عام 1191. [84] كانت سبيلا ملكة القدس قد توفيت عام 1190 وبالتالي فقد غي أي حق في مطالبة قانونية بالعرش وفق قوانين المملكة؛ الحل المقترح كان تمرير التاج إلى إيزابيلا الأخت غير الشقيقة لسبيلا ولكن كونراد المونفيرتي صاحب صور وكذلك آل إيبلين بينوا عدم شرعية زواج إيزابيلا من همفري (لكونه قد خانها عام 1186) وسوى ذلك فقد كانت دون السن القانونية. إثر إلغاء زواجهما لم يعد من حق إيزابيلا المطالبة بالعرش، وبالتالي آل الحكم إلى كونراد المونفيرتي نفسه لكونه أقرب أنساب الملك بلدوين الخامس من ناحية الذكور، كما أنه قد أثبت نفسه كقائد عسكري، وبالتالي فقد غدا ملك القدس، أما غي فقد رفض التنازل عن التاج وظلّ يطالب بالحكم حتى وفاته عام 1194، علمًا أنه وبعد انتخاب كونراد الرسمي عام 1192 ملكًا لبيت المقدس، منح غي لقب ملك قبرص.

لعب ريتشارد قلب الأسد وفيليب السابع عام 1191 دورًا هامًا في حسم قضية وراثة العرش، كان ريتشارد يدعم غي في طموحه لاستعادة المملكة، في حين أيد فيليب السابع كونراد وهو ابن عم والده الراحل لويس السابع. بعد إعادة السيطرة على عكا عام 1191 انسحب فيليب السابع من الحملة بسبب مرضه، أما ريتشارد فقط استطاع الانتصار على صلاح الدين في معركة أرسوف عام 1191، ثم معركة يافا عام 1192 وبسط سيطرة مملكة بيت المقدس من جديد على معظم الساحل الفلسطيني، لكنه عجز عن استرداد القدس أو أغلب المدن والأراضي الداخلية للمملكة. في أبريل عام 1192 انتخب مجلس البارونات كونراد ملكًا على القدس بشكل شرعي، لكنه اغتيل من قبل الحشاشين بعد فترة وجيزة. كانت إيزابيلا حينها قد تزوجت من هنري الثاني ابن شقيق ريتشارد، فآل الحكم إليها.

نهاية الحملة الصليبية الثالثة كانت سلمية، بتوقيع اتفاق الرملة عام 1192 مع صلاح الدين الأيوبي، الذي سمح للمسيحيين الغربيين بالحج إلى المدينة وخدمة المواقع المسيحية المقدسة فيها؛ وإثر ذاك انسحبت الحملة نحو أوروبا، [85] أما بارونات المملكة فقد انصرفوا حول تقسيم جديد للإقطاعات والأراضي في عكا وغيرها من المدن الساحلية. بعد فترة وجيزة من انسحاب الحملة الصليبية الثالثة توفي صلاح الدين عام 1193، [86] وسقطت مملكته في حرب أهلية بين أبنائه. [87]

مملكة عكا وخواتم الدولة

خلال المئة العام المقبلة، ظلّت مملكة بيت المقدس تعيش على الانتصارات المحدودة التي حققتها الحملة الصليبية الثالثة؛ حدود المملكة الجديدة كان تقتصر على ساحل إسرائيل وقطاع غزة اليوم مع ساحل لبنان حتى بيروت، بما فيها مدن هامة مثل يافا وأرسوف وقيسارية وصور وصيدا، كما شملت عددًا من المدن الداخلية الهامة مثل عسقلان، إلى جانب التحالف مع أنطاكية وطرابلس. في عام 1197 توفي الملك الجديد هنري الأول، وتزوجت أرملته إيزابيلا شقيقه أمالريك الذي غدا ملك عكا تحت اسم أمالريك الثاني، وإثر وفاة أمالريك وإيزبيلا عام 1205 آل العرش مرة أخرى لقاصر هي ماريا ابنة إيزابيلا من كونراد المونفيرتي، وظلّت ماريا تحكم تحت مجلس وصاية يرأسه جون الإيبليني صاحب بيروت حتى 1210، [88] حين تزوجت ماريا جون برين الفارس الوافد من فرنسا، وغدا الملك جون الأول. بعد عامين أي في 1212 توفيت الملكة أثناء الولادة، وآل العرش إلى ابنتها القاصر إيزابيلا التي دعيت إيزابيلا الثانية، واستمر جون الأول ملكًا ووصيًا على عرش ابنته حتى بلوغها سن الرشد. [89]

فريدريك الثاني والكامل الذي أعاد منح السيطرة على القدس للمملكة.

في عام 1204 وصلت الحملة الصليبية الرابعة إلى الشرق، وكان من المقرر أن تقوم هذه الحملة باستعادة القدس عن طريق مصر غير أن قادتها غيروا من خططها، واحتلوا القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية مؤسسين "الإمبراطورية اللاتينية في القسطنطينية". أثار تغيير خطط الحملة سُخط أوروبا وتم الحشد للحملة الخامسة التي وصلت مصر عام 1217 وشاركت بها جيوش مملكة بيت المقدس تحت قيادة الملك جون الأول، غير أن الفشل التام كان من نصيب هذه الحملة.

في أعقاب الحملة الصليبية الخامسة، سافر الملك جون الأول ومعه زوجته إلى أوروبا طالبًا المساعدة، غير أنه لم يلق الدعم إلا في بلاط فريدريك الثاني، الذي عاد ونكث بوعده بقيادة حملة صليبية جديدة، وقد ساهمت عوامل مختلفة في ألمانيا من إعاقته في السعي بحملة جديدة، أبرزها خلافه مع البابا والحُرم الذي أنزل به عام 1226، علمًا أنه وفي أعقاب وفاة جون الأول تزوجت إيزابيلا من فريدريك نفسه. في عام 1226 توفيت الملكة إيزابيلا الثانية خلال الولادة أيضًا، وغدا كونراد الثاني ابنها الرضيع ملكًا تحت وصاية فريدريك الثاني والده، وهنري الأول وزوجته أليس ملك وملكة قبرص، وقد وُلد ملك مملكة بيت المقدس في أوروبا ولم يزر مملكته قط. بعد عامين، في 1228 وصل فريدريك إلى الشرق ضمن الحملة الصليبية السادسة، وغدا الحاكم الفعلي للمملكة بيت المقدس. [90]

كان الجيش الذي يقوده فريدريك ضخمًا، ونال شهرة في بلاد الشام، والأبرز من أعماله أنه استطاع استعادة القدس وبيت لحم والناصرة إضافة إلى عدد من القلاع المحيطة سلمًا دون قتال عام 1228، وذلك بموجب معاهدة معقودة مع السلطان الأيوبي في الكرك والذي كان يخوض غمار حرب أهلية مع شقيقه سلطان دمشق. حاول فريدريك في أعقاب نجاحه ضم المملكة إلى الإمبراطورية الرومانية المقدسة، ووقعت عدة معارك بين الأمراء سيّما بين جيشه وجيش صاحب بيروت، كذلك فقد حدثت عدة معارك مع مملكة قبرص. طويت صفحة الموضوع جزئيًا، بتنازل فريدريك عن طموحه وعودته إلى أوروبا عام 1229، لكنه عاد فأرسل جيشه عام 1231 محتلاً بيروت وصور؛ كرد على ذلك حشد بارونات المملكة جيوشهم في عكا وحازوا دعمًا من جنوة، واستطاعوا استعادة صور وبيروت عام 1232، غير أن جيش فريدريك استعاد صور عام 1233. [91]

بنتيجة الحرب الأهلية، ظل فريدريك الوصي على ابنه وممثله في الشرق، وظلت صور والقدس خاضعة له بشكل مباشر، أما سائر بارونات المملكة تمركزوا في عكا. في عام 1242 غدا كونراد الثاني مخولاً الحكم بنفسه دون وصي، لكنه رفض القدوم إلى الشرق واختيرت أليس ملكة قبرص لتكون ممثلة الملك في بلاده. أما على جبهة الأيوبيين فقد عاد النشاط مجددًا عام 1244 حين استطاع الأيوبيون استعادة القدس مجددًا هازمين جيشي مملكة بيت المقدس ومملكة قبرص سوية، وقام الجيش الأيوبي بتخريب القدس والحقول المحيطة بها تاركين إياها في حالة غير صالحة للسكن البشري سواءً أكان من الصليبيين أم من المسلمين. توفيت أليس عام 1246، واستعيض عنها بهنري الأول ملك قبرص كوصي على عرش الملك، الذي نال تأييد بارونات عكا وآل إيبلين وغيرهم من رجال الدولة. بعد ذلك بثلاث سنوات، أي في عام 1249 وصل لويس التاسع من فرنسا قائدًا للحملة الصليبية السابعة، وعلى الرغم من أنه لم يتدخل في الشؤون الداخلية للمملكة كما فعل فريدريك الثاني، إلا أنه نُظر إليه دومًا كزعيم لصليبي الشرق، وقد قضى أغلب وقته فيه بترميم وإعادة بناء المدن والحصون الساحلية، واستطاع تحقيق انتصارات محدودة في مصر. في عام 1250 أطاح المماليك بحكم الأيوبيين، وفي عام 1253 توفي هنري الأول الحاكم الفعلي للمملكة بيت المقدس، وبعدها بعام أي في 1254 توفي الملك كونراد ولم يكن قد زار مملكته قط، وآل الحكم إلى ابنه كونراد الثالث المقيم في إيطاليا أيضًا، فحكم تحت وصاية هيو وإيزابيلا كونت وكونتيسة أنطاكية، الذين عينا بدورهما جون الأرسوفي نائبًا عنهما على عكا. [92]

الإسبتارية يدافعون عن أسوار عكا عام 1291 - بريشة كرستيان غانثر، 1840.

في عام 1258 توفي جون الأرسوفي، ثم هيو عام 1261، وكان هيو الثاني لا يزال تحت السن القانونية لحكم أنطاكية، فتولت والدته إيزابيلا إمارة أنطاكية والوصاية على مملكة عكا، غير أنها توفيت عام 1264، لتؤول الوصاية إلى ابن عمه وزينيان هيو برين، الذي حكم أنطاكية وعكا وقبرص إلى وفاة هيو الثاني قبل أن يبلغ سن الرشد عام 1267 وخلفه هيو الثالث. بعدها بعام أعدم الملك الذي لم يزر مملكته كونراد الثالث في إيطاليا، ولم يكن له وريث لخلافته، فغدا هيو الثالث الوصي على عرش عكا وقبرص وصاحب أنطاكية ملكًا على مملكة بيت المقدس باسم هيو الأول. أما على الجبهة الشرقية فقد اجتاحت جحافل المغول الشرق وفتحت بغداد عام 1258، ووقف الصليبيون عمومًا على الحياد طوال تلك الفترة، واستطاع المغول فتح دمشق وحرقها ونهبها عام 1260، ومن أوقف تقدمهم هم المماليك بقيادة قطز في معركة عين جالوت عام 1260، وهو ما جنّب فلسطين عمومًا مصير دمشق وبغداد وغيرهما من المدن التي دخلوها، ويشار إلى أن بضعًا من أمراء أنطاكية وطرابلس راسلوا المغول، وذكر بعض المؤرخين تحالفهم وإياهم في عدد من المعارك. عمومًا فإنه بعد دحر الخطر المغولي عن بلاد الشام اتجه الظاهر بيبرس بنظره نحو الأملاك الصليبية، ففتح يافا وأنطاكية عام 1268 هادمًا إياها على رؤوس ساكنيها، كما باع من نجا من القتل كعبيد في مصر. [93]

نتيجة لسقوط أنطاكية،وهزائم الصليبين المتلاحقة، أعد لويس التاسع حملة صليبية أخرى عام 1270، ثم قرر تحويل مسارها إلى تونس وتوفي هناك، وبذلك كانت الحملة الصليبية الثامنة خاتمة حقبة الحملات الصليبية، باستثناء قوة صغيرة وصلت من إنكلترا إلى الشرق عام 1271 بقيادة الملك إدوارد الأول. على صعيد العائلة المالكة، فقد نشأ نزاع بين ماريا حفيدة الملكة إيزابيلا الأولى التي ادعت أنها الأحق بعرش المملكة، واستطاعت تأليب بارونات عكا ضد الملك هيو، الذي مكث في الحكم من صور وحتى وفاته في قبرص عام 1285، وخلفه ابنه جون الثاني الذي توفي بعد فترة وجيزة في العام نفسه، وخلفه عمّه شقيق الملك هيو، هنري الثاني، الذي اعترف به ملكًا على جميع أراضي المملكة بما فيهم بارونات عكا؛ وقد تتالت في عهده هزائم الصليبيين فاستولى المماليك على طرابلس الشام عام 1289، ثم عكا نفسها عام 1291، ومعها باقي القلاع والحصون التي شكلت مملكة بيت المقدس. [94] عمومًا فإنه بعد سقوط عكا انتقل الملك إلى عثليث التي تمكن المماليك في فتحها أيضًا، فغادر إلى قبرص، وقاد منها غارات بحرية ومحاولات عديدة لاستعادة المنطقة، ومع خسارة جزيرة أرواد قبالة طرطوس عام 1303 لم يعد لمملكة بيت المقدس أي أراض في بلاد الشام وشكل ذلك النهاية الفعلية لمملكة بيت المقدس، وظل هنري الثاني محتفظًا بلقبها حتى وفاته عام 1325، وحاول ملوك قبرص استعادة جزءًا من الأراضي المقدسة إلا أنهم فشلوا في ذلك، وطوال سبعة قرون وحتى اليوم، ورث العديد من ملوك وأمراء أوروبا لقب "ملك القدس".

En otros idiomas
azərbaycanca: Yerusəlim krallığı
Bahasa Indonesia: Kerajaan Yerusalem
Bahasa Melayu: Kerajaan Jerusalem
Plattdüütsch: Königriek Jerusalem
norsk nynorsk: Kongedømet Jerusalem
srpskohrvatski / српскохрватски: Jeruzalemsko Kraljevstvo