حريق لندن الكبير

حريق لندن الكبير
Great Fire London.jpg
رسم تفصيلي لحريق لندن الكبير، رسمه رسام غير معروف. يصور الرسم الحريق كما من المفترض أن يبدو، عند النظر من قارب على مقربة من برج لندن، ليلة الثلاثاء الرابع من سبتمبر سنة 1666. يظهر برج لندن على يمين الرسم، وعلى اليسار جسر لندن، وتظهر في منتصف الرسم كاتدرائية القديس بولس محاطة بألسنة النيران الهائلة.

المعلومات
البلدFlag of England.svg مملكة إنجلترا  تعديل قيمة خاصية البلد (P17) في ويكي بيانات
إحداثيات51°30′57″N 0°05′32″W / 51°30′57″N 0°05′32″W / 51.5157; -0.0921  تعديل قيمة خاصية الإحداثيات (P625) في ويكي بيانات
بدأ2 سبتمبر 1666  تعديل قيمة خاصية تاريخ البدء (P580) في ويكي بيانات
انتهى6 سبتمبر 1666  تعديل قيمة خاصية تاريخ الانتهاء (P582) في ويكي بيانات
الخسائر

حريق لندن الكبير هو حريق ضخم اجتاح المناطق الرئيسة في مدينة لندن الإنجليزية، واستمر من يوم الأحد الثاني من سبتمبر سنة 1666 حتى يوم الأربعاء الخامس من الشهر نفسه.[1] هدمت النيران مدينة لندن القديمة التي بُنيت في القرون الوسطى، والتي يحيطها سور لندن الروماني الأثري. كما كادت النيران أن تلحق بحي وستمنستر الأرستقراطي، وقصر الملك تشارلز الثاني (قصر وايت هول)، وغالبية المناطق العشوائية الفقيرة.[2] كذلك التهمت النيران حوالي 13000 منزلاً، و87 كنيسة رعوية، و كاتدرائية القديس بولس القديمة، وطالت غالبية مباني المدينة الخاصة بالهيئات والسلطات الرسمية. تشير التقديرات أن الحريق تسبب في هدم مساكن سبعين ألفٍ من السكان، البالغ عددهم حينها ثمانين ألفًا.[3] كما أنه لم يُحدّد عدد الضحايا من الوفيات، والذي يقال أنه كان محدودًا للغاية؛ إذ بلغت حالات الوفاة المُثبَتة المسجلة ستًا فقط. غير أن هذا الزعم فُنِّدَ مؤخراً استنادًا إلى أن حالات الوفاة من بين الفقراء وأفراد الطبقة الوسطى لم تسجّل؛ إلى جانب أنه من الممكن للحرارة الكبيرة المنبعثة من الحريق أن تتسبب في تحول العديد من الضحايا بالكامل إلى رماد، ما يحول دون التعرف على أية بقايا لهم.

لم يمر وقت طويل بعد منتصف الليل يوم الأحد الثاني من سبتمبر حتى اشتعل الحريق في مخبز توماس فارينور (أو فارينوي) (بالإنجليزية Thomas Farriner) في شارع بادينج لين، وما لبث أن انتشر غربًا عبر مدينة لندن. ويُعزى تعطل إجراءات مكافحة الحرائق، والتي تمثلت وقتها في إقامة حواجز للنار عن طريق أعمال الهدم، إلى تردد السير توماس بلودورث، عمدة مدينة لندن حينها، في اتخاذ قرار مناسب للموقف. وما إن صدرت أخيرًا أوامر بإجراء أعمال هدم واسعة النطاق مساء الأحد، حتى كانت الرياح قد قامت بالفعل بتعزيز النيران وتحويلها إلى عاصفة نارية كانت كفيلة بأن تقهر الحواجز. إذ اندفعت النيران يوم الاثنين إلى قلب المدينة. فضلاً عن ذلك، شاعت في هذا الوقت الاضطرابات في المدينة؛ حيث انتشرت شائعات تقول بأن مجموعة من الأجانب المشتبه في أمرهم تقوم بإضرام الحرائق، واشتبه الفقراء وسكان الشوارع أكثر ما اشتبهوا في الفرنسيين والهولنديين، أعداء إنجلترا إبان الحرب الإنجليزية الهولندية الثانية التي كانت رحاها لا تزال دائرة آنذاك، ما نتج عنه تعرض مجموعات كبيرة من المهاجرين للعنف، ومنهم من أعدم دون محاكمة. وبحلول يوم الثلاثاء، كانت النيران قد انتشرت في أغلب أجزاء المدينة، وحطمت في طريقها كاتدرائية القديس بولس، وتخطت نهر فليت لتهدد بلاط الملك تشارلز الثاني في وايت هول، في الوقت ذاته الذي تظافرت فيه جهود مكافحة الحرائق. ويُعزى نجاح عمليات إخماد الحريق إلى عاملين رئيسين هما: الانخفاض الشديد في حدة الرياح الشرقية، وكذلك استخدام حامية برج لندن البارود لتكوين حواجز نارية فعالة من شأنها أن تحول دون انتشار النيران بصورة أوسع في اتجاه الشرق.

خلّف الحريق آثارًا اجتماعية واقتصادية بالغة؛ فقد شجع الملك تشارلز الثاني السكان على النزوح من لندن والإقامة في مناطق أخرى، وذلك بسبب خوفه من ثورة اللاجئين الذين نهبت ممتلكاتهم عليه، وعلى الرغم من هذا الاقتراح وغيره من الاقتراحات الخطيرة، أعيد بناء مدينة لندن طبقًا لخطة الطرق ذاتها، والتي كانت قيد الاستخدام قبل اندلاع الحريق.[4]

لندن في ستينيات القرن السابع عشر

منطقة وسط لندن في سنة 1666. المناطق التي طالها الحريق مُظللَة باللون الوردي.

أصبحت لندن المدينة الأعظم اتساعًا في بريطانيا، بحلول ستينيات القرن السابع عشر، كما بلغ تعداد سكانها حينها ما يُقدّر بنصف مليون نسمة. وقد وصفها الكاتب الإنجليزي جون إفلين، مقارنًا بينها وبين مدينة باريس في بهائها الباروكي آنذاك، بأنّها عبارة عن "مجموعة مزدحمة من البيوت الخشبية غير الاصطناعية، في الشمال"، كما أشار إلى وجوب الحيطة مما تشكله المباني الخشبية من خطر الحريق، ونبًه كذلك على مشكلة الازدحام.[5] أراد الكاتب الإنجليزي من وراء وصف المدينة بـ "غير الاصطناعية" الإشارة إلى كونها معدومة التخطيط المسبق، وكذلك توحي بمظهر زائف وغير مكتمل للعمران، وهي نتيجة طبيعية للنمو السكاني والتمدد العمراني. وإذ أن لندن عاشت أربعة قرون كمستعمرة رومانية، أخذ معدل ازدحام المدينة يتصاعد في زيادة مطردة، داخل الحائط الحامي للمدينة. كذلك لم يتوقف الأمر عند الحائط، بل انتشر التمدد خارج أسوار المدينة، ليشكل مجموعة من المناطق شديدة العشوائية، مثل: شوريدتش، وهولبورن، وساوث وارك، كما امتدت المدينة كذلك لتضم مدينة ويستمنستر المستقلة.[6]

في أواخر القرن السابع عشر، لم يكن قوام المدينة (تلك المساحة التي يحدها حائط المدينة من جهة، ونهر التايمز من جهة أخرى) يشكل إلا جزءًا فقط من لندن، مغطيًا مساحة 2.833 كيلومتر مربع (أي 1.0937 ميلاً مربعًا، 700.0 آكرًا)،[7] ويبلغ عدد سكانه ما يقرب من الثمانمائة ألف، أو ما يشكل سدس سكان لندن. كما أحاطت بالمدينة حلقة من الضواحي الداخلية، والتي عاش بها أغلبية اللندنيين (أو سكان لندن). شكلت المدينة آنذاك القلب التجاري للعاصمة، إذ ضمت أكبر أسواق إنجلترا وأكثر موانئها نشاطًا، والذي وقع بالكامل تحت قبضة الفئات التجارية والصناعية من المجتمع.[8] عافت نفوس الطبقة الأرستقراطية عن العيش في المدينة، وآثروا الإقامة إمّا في الريف الواقع وراء الضواحي، أو في حي وستنمستر القصي (منطقة وست إند في وقتنا الحاضر)، بالقرب من بلاط الملك تشارلز الثاني في وايت هول. وكذلك فضل الأثرياء العيش بعيدًا عن المدينة الملوثة، مكتظة الزحام، ومناخها غير الصحي. وخاصة بعدما اجتاح المدينة طاعون دبلي المدمر في سنة 1665، أو سنة الطاعون.

بلغ التوتر أقصاه في العلاقة بين البلاط الملكي والمدينة في ذلك الوقت؛ حيث كانت المدينة معقل للجمهوريين، إبان الحرب الأهلية، التي استمرت من سنة 1642 إلى سنة 1651. ولم تزل المدينة الثرية ذات النشاط التجاري الواسع تشكل تهديدًا مستمرًا للملك تشارلز الثاني، وهو ما بدا جليًا في الثورات الجمهورية العديدة، التي اندلعت في أوائل الستينات من القرن المذكور. وقد شارك قضاة المدينة في الحرب الأهلية، ولم يكن بمقدورهم –إذ ذاك- نسيان كيف أن قبضة الملك تشارلز الأول الصلبة على مقاليد السلطة المطلقة قادت الأمة إلى حافة الانهيار؛[9] ومن هنا جاء تصميمهم على الوقوف حيالا أي ميول أخرى من النوع ذاته قد تساور وريثه، وجاء رفضهم تامًا لوعود تشارلز الثاني لهم بالجنود والموارد، في الوقت الي هدد فيه الحريق الكبير المدينة. وحتى في ذلك الوقت المتأزم، كان نزول القوات الملكية غير المرغوب فيها إلى الشوارع بمثابة قنبلة سياسية، وعندما تولى تشارلز الثاني أخيرًا زمام الأمر من عمدة المدينة، كان الحريق قد خرج بالفعل عن السيطرة.

بانوراما مدينة لندن في سنة 1616، رسمها الفنان كلاس فيشر. لاحظ وجود شقق سكنية على جسر لندن (أقصى اليمين)، وهي بمثابة فخ واضح تحسبًا لحالات الحريق، غير أن أكثرها تدمر في حريق سابق في سنة 1632.

مخاطر نشوب حريق في المدينة

تجلت مظاهر القرون الوسطى للمدينة في الوضع الذي كانت عليه خريطة طرقها آنذاك، فلم تكن إلا شبكة مكتظة الزحام من الحارات الضيقة المتشابكة رديئة الرصف. وقد سبق أن أصابها عدد من الحرائق الضخمة قبل حريق 1666، أقربها اندلع سنة 1632. وعلى مدار قرون، كان بناء البيوت الخشبية المسقوفة بالقش محظورًا، إلا أن الناس لم يتوقفوا بالرغم من ذلك عن استخدام المواد البنائية زهيدة السعر تلك.[10] كما تمثل في قلب المدينة الجزء الوحيد الذي انتشرت فيه باتساع المباني المُشيَّدة بالحجارة، حيث حوى قصور التجار والسماسرة الذين أقاموا بنيانهم على مساحات شاسعة من الأرض. وقد أحاط بقلب المدينة حلقة داخلية من الأبرشيات الأقل ثراءً، شديدة الازدحام؛ حتى أن كل سنتيمتر فيها تم استغلاله لتوفير الإقامة للسكان المتزايدة أعدادهم في سرعة خطيرة. كما حوت تلك الأبرشيات العديد من الورش ومواقع العمل، والتي يشكل الكثير منها احتمالية خطرة لاندلاع حريق، مثل: ورش سبك المعادن، وورش الحدادة، وورش الزجاج. ومن المفترض أن مثل تلك المهن كانت محظورة في المدينة، إلا أن مزاولتها كان مسموحًا بها على أرض الواقع. كما زاد الازدحام الشديد للمساكن المحيطة وتداخلها مع مصادر الحريق والشرر والتلوث من خطر الاشتعال، وكذلك عززت الطريقة التي بُنيت بها تلك المساكن من الخطر؛ إذ أنه في الغالب احتوت المباني السكنية المكونة من ستة أو سبعة طوابق في لندن على بروزات (وهي الطوابق العليا الناتئة عن مستوى الطابق السفلي)، فقد بُنيت الطوابق الأرضية على مساحات ضيقة، ثم عمد الناس إلى توسيع الرقعة المستغلَّة من خلال "الاعتداء" على الشارع، متوسعين تدريجيًا في مساحة الطوابق العليا، كما يصف الوضع أحد ملاحظي البناء المعاصرين [11]؛ إذ ذاك، يتضح بسهولة خطر الحريق القائم عندما تتلاقى البروزات العليا المتقابلة عبر الحارات الضيقة. يقول أحد ملاحظي البناء: "هذا ليس من شأنه أن ييسر نشوب الحريق فحسب، بل يعيق عملية إخماده كذلك"، بيد أن "طمع المواطنين، وتغاض الحكام (بعبارة أخرى، فسادهم)" جاءا في صالح بناء البروزات. وفي عام 1661، أصدر الملك تشارلز الثاني منشور قانون يحظر النوافذ المعلقة والبروزات، ولكنه قوبل بالتجاهل من قبل الحكومة، وجاءت رسالة تشارلز الثاني الأكثر حدة في عام 1665 منذرًا من أن الشوارع الضيقة تلقي باحتمالية خطرة بنشوب حرائق، وأمر بالسجن لمن يتجاهل القانون من مقاولي البناء، وكذلك بدك المنازل التي تشكل خطرًا، بيد أن هذا القانون كذلك لم يكن له إلا قليل الأثر.

لعب العمران القائم على ضفاف النهر كذلك دورًا هامًا في اشتداد الحريق. فبالرغم من أنّ نهر التايمز قد قام بتوفير المياه اللازمة لمكافحة الحريق، وكذلك أوجد وسيلة للهرب عن طريق القوارب، إلا أن الأحياء الفقيرة القائمة على طول الضفتين احتوت على مخازن لمواد قابلة للاشتعال، مما زاد من خطر نشوب الحريق. كما اتصفت المباني السكنية المتداعية وأكواخ الفقراء المصنوعة من الورق المقير متزاحمة بطول أرصفة الموانئ، فيما بين "المباني الورقية العتيقة، والمواد شديدة القابلية للاشتعال، مثل: القطران، والقار، والقنب، والراتنج، والكتان؛ والتي تم تخزينها جميعًا هنالك."[12] بالإضافة إلى أن لندن وقتئذ كانت تعج بالبارود، وبخاصة في المناطق القائمة بطول ضفة النهر. حيث احتفظ الكثير من المواطنين العاديين بكميات كبيرة من البارود داخل منازلهم كانوا قد استبقوها منذ وقت الحرب الأهلية الإنجليزية، إذ احتفظ الجنود السابقون في الجيش النموذجي الجديد الذي أنشأه أوليفر كرومويل ببندقيات المسكيت التي استخدموها في الحرب، ومعها البارود اللازم لحشوها به. كذلك احتوى برج لندن، القائم على الطرف الشمالي لجسر البرج، على خمسة أو ستة أطنان من البارود. كما احتوت متاجر تموين السفن، القائمة بطول أرصفة الموانئ، على كميات هائلة من البضائع، والتي خزنوها في حاويات خشبية عديدة.

تقنيات مكافحة الحرائق في القرن السابع عشر

استخدام "خطاطيف الحرائق" لمكافحة حريق في مدينة تيفرتون (بالإنجليزية: Tiverton) في مدينة ديفون (بالإنجليزية: Devon)، بإنجلترا، عام 1612
إعلان عن سيارة إطفاء الحريق ذات العجلات المستخدمة في القرن السابع عشر، والتي كانت صغيرةالحجم نسبيًا وتيسر كذلك عملية مناورة الحريق. "المركبات (الأفضل) لقهر الحرائق الضخمة.. من تصميم جون كيلنج، في مدينة بلاك فرايرز (بعد سنوات عديدة من التجربة)."

شاع اندلاع الحرائق في المدينة الخشبية المزدحمة، بانتشار المدافئ المفتوحة والأفران واستخدام الشموع ومخازن المواد القابلة للاشتعال. وقتئذ لم يكن هناك نظام شرطة أو إدارة مطافئ، وتولت ميليشيا لندن المحلية، والمعروفة باسم ترين باندز (بالإنجليزية: Trainbands)، بمفردها مسئولية الاستجابة للحالات الطوارئ المختلفة. وكانت مراقبة الحرائق واحدة من المهام التي تقوم بها فرقة الحراسة (بالإنجليزية: The Watch)، وهي تتكون من ألف من الحراس أو "قارعي النواقيس (بالإنجليزية: Bellmen)"، يطوفون بشوارع المدينة ليلاً.[13] فضلاً عن ذلك، كانت الإجراءات الشعبية لمجابهة الحرائق جاهزة على الدوام، ومجدية في أغلب الأحيان. كذلك عملت الكنيسة على تنبيه السكان عندما تشب النيران بأحد المنازل، بواسطة قرع أجراس تعطي دويًا مكتومًا معلقة على نواقيس الكنيسة، فيحتشد عندها الناس مسارعين لإخماد الحريق. وتمثلت التقنيات المستخدمَة حينها في وسيلتين رئيستين: المياه، ودك المباني. وقد فرض القانون أن تحتوي كل كنسية رعوية داخل برجها على الأدوات اللازمة لتلك المهام، ومنها: سلالم طويلة، دلاء خشبية، فؤوس، خطاطيف حرائق يهدم بها السكان المباني (انظر الرسم التوضيحي، على اليسار).[14] وكان يتم أحيانًا استخدام البارود للقيام بتفجيرات محكومة وفعالة لتسوية المباني المرتفعة بالأرض. وفي وقت الحريق الكبير، لم يكن ثمة مهرب في النهاية من اللجوء لوسيلة أكثر عنفًا وهي إقامة حواجز الحرائق بصورة كثيفة، ويعزى إليها أنها كانت الورقة الرابحة في القضاء على الحريق، وفقًا لما يقول به المؤرخون المعاصرون.[15]

En otros idiomas
беларуская (тарашкевіца)‎: Пажар у Лёндане 1666 году
Bahasa Indonesia: Kebakaran Besar London
한국어: 런던 대화재
Bahasa Melayu: Kebakaran Besar London
srpskohrvatski / српскохрватски: Veliki požar u Londonu
Simple English: Great Fire of London
中文: 倫敦大火
粵語: 倫敦大火